المفكرون الجدد: التفكير خارج الإسلام – الأستاذ عبد القادر قلاتي

  • PDF
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 

alt

قبل الحديث عن حدود مشروعية التفكير حول مسائل الدين، يجب أن نحسم موقفنا من قضية مهمة؛ وهي أن التطرق للقضايا الدينية ليس بالضرورة وظيفة رجل الدين، أو المتدين الذي اقتنع أساسا بالمنطق الديني، واستند عليه في تفسير القضايا الكبرى الموازية للإنسان في الكون والحياة، بل هي وظيفة الإنسان من حيث هو إنسان مرتبط بهذا الكون، مهما كان دينه، أو منطقه الفكري والعقائدي.

إن الذي دفعنا للكلام حول ظاهرة التفكير في مسائل الدين وقضاياه، ليس هو مبدأ وحق الإنسان في الكلام حول مسائل الدين، وإنما هو إشكالية التفكير في الدين من خارج سياج الدين نفسه، وهي إشكالية كبرى تواجه الفكر العربي والإسلامي في جدله مع العصر وثقافة الغرب، لأن هذه الظاهرة في الحقيقة منافية للمنهجية العلمية في التعامل مع القضايا الكبرى كالأديان والعقائد والإيديولوجيات، فكيف يوضع الإسلام، وهو الدين الذي يملك ثروة علمية ومعرفية قل نظيرها في جميع الفلسفات والأديان، تحت منظار مناهج وأدوات علمية تجهل أبسط المعارف الإسلامية، وأبسط المسلمات الدينية، ثم هي مناهج وأدوات نشأت في تربة خارج إطار المجال التداولي للإسلام وشريعته ومنهجه العلمي.

ولسنا نعني هنا خطاب الاستشراق ومدارسه المتعددة، والتي مازالت ليوم الناس هذا، تحمل معاول الهدم والتشويه، وإنما نعي ذلك التيار الذي تربى في مدارس الاستشراق ومن معينه يستقي.

ذلك التيار الذي تسلح بالشهادة العلمية من كبرى الجامعات الغربية، وبالمركز الأكاديمي في جامعاتنا العربية والإسلامية، إلى جانب العلاقات المشبوهة بمراكز القرار السياسي والثقافي في الغرب، وأصبح يطلق على الواحد منهم -إلى جانب اللقب العلمي-، لقب المفكر الإسلامي المستنير والحداثي، في مقابل المفكر الإسلامي السلفي الظاهري النصوصي، الذي يقف عقبة كأداء أمام تجديد الإسلام وتقريبه من الحداثة الغربية.

وهي المهمة التي نهض هذا التيار للقيام بها، لكن دون أن ينطلق من الإسلام ومفاهيمه ونصوصه، وإنما يقف خارج الإسلام ليتناول بالنقد أعقد المسائل الدينية، وأهم المفاهيم التي تؤسس لفكرنا الديني.

وهنا محل النقد الذي نوجهه لهذا التيار الذي نراه يشكل حالة شاذة في تاريخ فكرنا الإسلامي، بالرغم من أن تاريخنا شهد نماذج قريبة أو شبيه بهذا التيار كإخوان الصفا، أو بعض الطوائف الهامشية التي كانت تقوم هنا أو هناك تحاول تأويل النصوص وفق فلسفات قديمة، أو رؤى دينية تستوردها من أديان أرضية أو سماوية محرفة، إلا أن هذا التيار يملك ما يميزه عن هذه النماذج، وهو أنه -أي هذا التيار- يستند إلى الحداثة الغربية التي تشكل في هذا العصر السيادة المطلقة للعلم والمعرفة، وبالتالي يملك نوعا من المشروعية المعرفية التي أتاحت له الاقتراب من المجال التداولي للإسلام، ومن ثم الاشتغال على الإسلام كموضوع للدراسة والبحث انطلاقا من الرؤية الغربية للكون والإنسان والتاريخ.

وهذا نراه واضحا في جل ما كتب هذا التيار.

نراه أكثر وضوحا عند محمد أركون في "ما يمكن التفكير فيه، وغير المفكر فيه، وما لا يمكن التفكير فيه" طبعا في الإسلام وتراثه.

وعند عبد الكريم سوروش في نظريته المسماة "تقلص المعرفة الدينية وتمددها".

وعند فضل الرحمن فيما طرحه من "مقاربة جديدة للقرآن والوحي" .

وعند نصر حامد أبو زيد في رؤيته لـ "تفسير القرآن من النقل إلى التأويل" .

وعند عبد المجيد الشرفي في نظريته "فهم جديد لختم النبوة"، والقائمة طويلة.

لكن ما يجمع هذا التيار على اختلاف مشاربه وتوجهاته، هو النظر إلى الإسلام كتجربة تاريخية إنسانية لا يمكن التأسيس عليها لصناعة حداثة، وإنما العمل على إخراج وإبعاد هذه التجربة من حسابات التجديد، الذي ينادي به هذا التيار، وأكثر من ذلك عدم الفصل بين الإسلام كدين وأتباعه من المسلمين حتى لا تبقى صفة القداسة لصيقة بالإسلام، ومن ثم دراسته كنص وتاريخ وتجربة إنسانية، وليس كدين مستقل بنصوصه التأسيسية...هذه مقدمة رأيت أن أبدأ بها سلسلة من المقالات في قراءة منتوج هذا التيار، والرد ما أمكن على طروحاته المتهافته التي أشكلت على الكثير من طلاب العلم والمعرفة.

والله الموفق

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

You are here