مقبرة العلماء -الأستاذ محمد الهادي الحسني

  • PDF
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 

alt

أقسم بمن خلق الوجود وقدّر الأقدار أن الشيخ عبد الرحمن شيبان - رحمه الله - حدثني، وقد يكون حدث غيري، أن الشيخ العربي التبسي - رحمه الله- قال له: إن الجزائر مقبرة العلماء..

تذكرت هذا القول وأنا أقرأ أن مسئولي "التربية" عندنا "لعْبوها" لطالبتين متفوقتين في شهادة البكالوريا وأسقطوهما من قائمة من كرّموا لتفوقهم برحلة إلى تركيا أو ماليزيا.

والطالبتان هما صراح سلاطني من ثانوية مالك ابن نبي من مدينة تبسة التي حصلت على نقطة 17.20، وكانت بذلك هي الأولى على ولايتها.

وخديجة حاج حسان التي أحرزت المرتبة الثانية بولاية البليدة بحصولها على نقطة 17.74. (الخبر 30 / 7 / 2013 ص5).

كما قرأت (في جريدة الشروق 30 / 7 / 2013 ص2) أن فريد مطروح أحرز على البكالوريا في هذه السنة، وقد بلغ من العمر تسعة وثلاثين عاما، فلما ذهب إلى "جامعة" الجزائر (2) للتسجيل رفض "أهل الذكر" أن يسجلوه، وحجتهم الداحضة هي أنه بلغ من الكبر "عتيا"، وأنه - بهذا السلوك الجاهلي - ما عليه إلا أن "ياكل القوت ويستنّى الموت" لأنه بتعبير "أخينا" الكبير "طاب جنانو"..

ولا تعليق على هذه الحالات الثلاث إلا أن محنة العلم والعلماء في الجزائر تذيب القلب من كمد، وتدمي العين من حزن.

لقد قتل أعداء العلم في الجزائر الأمل في نفسي الطالبتين المتفوقتين، وقد تكونان ندمتا على ما بذلتاه من اجتهاد، مادام التكريم يناله الخاملون والخاملات.

وليس على المجتهدين أن يجتهدوا..

وأما الشاب الذي بقي قلبه معلقا بالعلم، مقبلا عليه رغم تقدم سنه، فبدلا من أن يشكر، ويضرب به المثل، ويقدم قدوة حسنة لغيره من الشباب والكهول والشياب؛ بدلا من ذلك اقتلعت من قلبه وعقله شجرة الأمل والإرادة، وزرعت في مكانها شجرة الجهل، ليزرعها بدوره في نفوس آخرين.

لقد أثبت الذين رفضوا تسجيل فريد مطروح بـ "حجة كبر سنه" أنهم "جاهلون" ولا يصلحون إلا لحماية الجهل..

أما علم هؤلاء والقائلون - تزهيدا في العلم- "كيشاب علّقولو الكتاب" أن سيد الأولين والآخرين - صلى الله عليه وسلم- أمره ربه - عز وجل- في أول آية أنزلها على قلبه بالقراءة وعمره أربعون عاما؟

وهي أول مرة يؤمر فيها إنسان بالقراءة، وما أجمل قول الشاعر أحمد شوقي في هذا المعنى:

ونودي اقرأ، تعالى الله قائلها *** لم تتّصل قبل من قيلت له بفم

لقد تساءلت كثيرا كلما قرأت عن عالم جزائري عبر التاريخ أنه نبغ في الخارج، فأجد الجواب في أن الأمر كان في وطنه في يد "ماركة نحبك يا الشُّعْب.."

وكم تساءلت:

لماذا لم يوجد في بلدي مؤسسات علمية كبرى كمسجد القيروان، والزيتونة، والقرويين، والأزهر، والأمويين، وقرطبة، وغيرها في العالم العربي والإسلامي؟

لقد قرأت كلاما للمناضل النظيف اليد، المثقف علي يحي عبد النور أن كل حكام الجزائر في زماننا هذا لا يملكون شهادة البكالوريا، فكيف يقود "أعمى" مبصرا؟

"فهل ينبغي لنا أن نضحك أم نبكي؟" كما قال الزعيم فرحات عباس.

إن في صدري كلاما كثيراً عن احتقار العلم وإهانة العلماء - في جميع التخصصات- في الجزائر، وأخشى إن أخرجت ذلك الكلام أن يفسد صومي..

ومع ذلك فإني أكتفي بتلخيص ذلك الكلام بالقول:

"إن الجهل لا يبني دولة"، وهذا ما يذكرني بمقولة شوان لاي رئيس وزراء الصين، حيث قال في سنة 1955:

"إن سياستنا "لا تخطىء" لأنها علم". (مالك ابن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ص 135).

وأما أكثر أغنيائنا فهم على مذهب رؤسائهم، لا يهمهم إلا الراقصات واللاعبون، وقد أكرم بعضهم في قسنطينة مدربا فرنسيا تكريما "فوق الحاتمي" جعله يقول:

بماذا أحمل هذه الهدايا، بالباخرة أم بالطائرة؟

في حين توجد "مؤسسة الإمام ابن باديس" في "شوخْنه"، ولكن عميت عنها أبصارهم، بعدما عميت بصائرهم..

و"ابك يا بلدي الحبيب".

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

آخر تحديث: الجمعة, 02 أغسطس 2013 11:01

You are here