جمعية العلماء.. والناس - الأستاذ الدكتورعبد الرزاق قسوم

  • PDF
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

alt

يا أيها السائلون عن فلسفة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعن موقعها، وموقفها من الحراك السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي في بلادنا، ماذا تريدون منها، وما نريد نحن لها؟

ويا أيها الباحثون عن الخط الجامع الأعظم للجمعية، إزاء ما يحدث في وطننا من التاء إلى التاء، أي من تمنراست إلى تلمسان، وفي وطننا العربي الأكبر من الماء إلى الماء (من الخليج إلى المحيط)، ما هو مقصدكم، وما هو مطلبكم؟

إننا نريد لجمعية العلماء -باسم الوفاء- أن تربط الخلف بالسلف، فتكون جمعيتنا نابضة بالتطلعات الشعبية العميقة لشعبنا، وناطقة باللغة العربية الفصيحة لآلامنا وآمالنا، ومجسدة للعقيدة الإسلامية الصحيحة في سلوكنا وأعمالنا.

وهم -أي بعض الناس- يريدون للجمعية أن تكون حزبا في غير محراب، ومبتورة من كل سورة، أو آية أو كتاب، يظنها الإنسان غذاء، ويحسبها الضمآن ماء، حتى إذا جاءها لم يجده شيئا، ووجدها أشبه بالسراب.

نحن نريدها، مرجعية إسلامية شاملة نابضة بالفكر الصريح، والفقه الفصيح، والاتجاه الصحيح، لا سيد يعلو عليها -بعد الله- إلا الشعب، منه تستلهم أحكامه، وتردد آماله وآلامه، وتعكس بكل الوفاء طموحه وإلهامه.

والبعض يريد لها، أن تقطع الصلة بالسلف، مقابل الحصول على العَلَف، مهما كان في ذلك من التلف، والقرَف، فتكون بذلك، خاذلة للسلف، ومولية وجهها عن الهدف، فأفٍّ لهم وألف أف.

يكفي جمعية العلماء -شرفا- أنها لم تخضع للجبابرة الظالمين، وأنها لم تحن الجباه للمحتلين الغاصبين، فما لهؤلاء القوم يحاولون السباحة ضد التيار، ويكلفون الجمعية ثمن الهزيمة في عيد الانتصار، ويدفعون بها إلى عار الانهزامية والاندثار.

عهد أخذته الجمعية على رجالها في الماضي والحاضر، وهي أن تكون الذائدة عن حمى العرين، والناطقة باسم الوطنيين المخلصين، والمترجمة لما يبعث به المعذبون من آهات وأنين. وخير للجمعية أن تنقرض فتسجل اسمها في التاريخ بمداد من ذهب، من أن تخون مبادئ وأحكام من حضر من العلماء ومن ذهب.

ويلهم، إذا أرادت الجمعية أن تقوم بدور الناصح الأمين للحكام والمحكومين، تعالت من حولها، الصرخات، وانهالت عليها الضربات، ورفعت في وجهها الإنذارات والتهديدات.

تعالوا نسائلكم جميعا، عن واقع الأزمات التي تتخبط فيها بلادنا، ماذا يجب أن يكون موقعنا منها؟

هل إذا قلنا بأن المنظومة التربوية، وهي رمز مستقبل أجيالنا، يجب أن تخضع للمعالجة والتشريح، كي نجنب سقوط أبنائنا الشماريخ في مستنقع التاريخ، قيل لنا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق؟

وإذا صرخنا باسم العدل والديمقراطية أن قانون العقوبات، قانون جائر في مبناه ومعناه، قيل لنا، بأن هذه لغة قاسية في حق أسرة المدينة والبادية، فهل يعقل أن يبنى البيت -بدل قواعد الحب والوئام- على العقوبات والخصام؟

وإذا دعونا إلى الاحتكام إلى العلم المحايد والعميق لإعطائنا فتوى علمية، لا رائحة للسياسة، ولا للمصلحة فيها، بمدى ملاءمة هذا الغاز الصخري لصحة المواطن، ونظافة بيئة الوطن، اتهمنا بأننا نحرض المحكومين، ونقف ضد الحاكمين.

ويمينا برة لا حنث فيها، أن الجماهير المعتصمة في عين صالح وغيرها ضد الغاز الصخري، ليست ضد الحكام، ولا يخطر ببالها ذلك، وإنما هي خائفة على مستقبلها، ومستقبل بيئتها، ومن حقها على الحاكم أن يستمع لنبضها.

فيا قومنا! إن جمعية العلماء هي المؤذن الشريف، في الوطن، تنبه بالإشارة والعبارة، بأن حذار فإن الأعداء متربصون، وأنهم لنا لغائضون، وأنهم لشرذمة ماكرون، فلا تمكنوهم من تحقيق مآربهم، ولا تجعلوا من غضب الجماهير مادة للتسلل إلى عقولهم وقلوبهم، ولنا في ما يحدث من حولنا، في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، أسوأ المثل إن كنا معتبرين.

إننا -ما فتئنا نصيح نصحا- حتى غصت أصواتنا، وذابت حشاشتنا، ونوشك أن نتوقف عن إسداء النصيحة إذا أوشكت النصيحة أن تتحول إلى فضيحة، ويومها يكون رائدنا قول أبي الطيب المتنبي:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا***ألا تفارقهم فالراحلون هم

وقول أبي حامد الغزالي:

غزلت لهم غزلا رفيقا فلم أجد***لغزلي نساجا، فكسرت مغزلي

إن جمعية العلماء هي الجزائر العميقة، وإن الجزائر ملك الجميع، فلا يجوز السكوت عما يمكن أن يلحقها من أذى ومن ضرر، وسيسألنا التاريخ يوما عما نحن فاعلون بوطننا. إنها أمانة الله، وأمانة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمانة ابن باديس والعلماء، فلنتق الله في هذه الأمانة، ولنذكر أن جمعية العلماء هي حارسة الحمى، وسادنة المعبد، فإن نامت عن الحراسة، والسدانة، فسيأت الله بقوم غيرنا، ثم لا يكونوا أمثالنا.

ولنأنس في هذا المقام بقول مصطفى صادق الرافعي:

إن الظلام الذي يجلوك يا قمر***له صباح، متى تدركه أخفاكا

التعليقات (1)

RSS خاصية التعليقات
...
0
السلام عليكم أيها الإخوان القراء. ما كان لنا نحن المثقفين لنقرأ هذا التصوير ورشاقة التعبير من فكر ثاقب ورأي أصيل وعلم غزير ولسان بلاغي مبين، وكأنه نسيج واحد من كلام العلامة البشير ولا نعلق شاكرين. بلاغة في البيان وطلاوة في اللسان من حامل أدوات في فهم سياسة الشعب والدين. لقد أراهم - كما يُقال - برق الحسام لكن لا يجد الحاقدون في جمعيتنا غير السلام.
عبدالرحمن سرحان / سطيف , نوفمبر 12, 2015 | url

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

آخر تحديث: الجمعة, 27 مارس 2015 19:25

You are here